هل يتفق الشرق و الغرب في ليبيا ؟

Bourbiza Mohamed
الرأي الحر
Bourbiza Mohamed30 شتنبر 2016Last Update : 5 سنوات ago
هل يتفق الشرق و الغرب في ليبيا ؟
بوربيزا محمد

هجوم مباغت قادته القوات الموالية لمجلس النواب المنعقد في مدينة طبرق، شرقي ليبيا، يومي 11 و 12  سبتمبر الجاري، وتمكنت من خلاله من السيطرة على أربعة موانئ نفطية في منطقة الهلال النفطي بعد معارك قصيرة خاضتها ضد “قوات حرس المنشآت النفطية”، بقيادة “إبراهيم الجضران”، التي تتبع حكومة “الوفاق الوطني” المعترف بها أمميا.

ورغم المخاوف من أن تجر هذه الخطوة البلاد إلى مواجهة عسكرية أكبر بين القوات الموالية لمجلس النواب، التي يقودها المشير “خليفة حفتر”، وتلك الموالية لـ”حكومة الوفاق”، إلا أن ردود الفعل بشأنها سواء خارجيا أو محليا جعلت منها “حجرا” حرك المياه الراكدة في العملية السياسية الليبية.

إذ شهد الأسبوعان التاليان عليها تحركات مكثفة من أطراف غربية وعربية تدفع باتجاه لم شمل الفرقاء في الشرق والغرب الليبي، وتوحيد جهودها ضد التنظيمات الإرهابية من قبيل “القاعدة” و”داعش”، والذي يشكل تنامي تواجدها في ليبيا هاجسا للمجتمع الدولي ولدول الجوار.

الموقف الغربي أدان الخطوة التي قامت بها قوات “حفتر”، الحليف السابق للرئيس الليبي الراحل “معمر القذافي”، وأكد على ضرورة خضوع المؤسسة النفطية لـ”حكومة الوفاق”، لكنه دفع، أيضا، في اتجاه الضغط على الفرقاء الليبيين من أجل إحياء الحوار السياسي بينهما، وتجاوز الخلافات، وإدماج “حفتر” في حكومة الوفاق.

ففي باريس، قال الرئيس الفرنسي “فرانسوا أولاند”، خلال استقباله رئيس المجلس الرئاسي لـ”حكومة الوفاق”، فايز السراج، في 27 سبتمبر ، إن “مصلحة الأسرة الدولية هي أن تكون ليبيا مستقرة وآمنة؛ لذا نقدم دعماً مهماً لجهود حكومة الوحدة الوطنية في المصالحة، والرئيس السرّاج سيأخذ مبادرات، ونحن نثق به لتوسيع الحكومة كي تضم جميع الأطراف”.

وأضاف: “علينا ألا نفكر أننا انتهينا من المشاكل إذا استعيدت مدينة سرت (شمال وسط) كلياً (من قبضة داعش)؛ فهناك مجموعات إرهابية أخرى في ليبيا تنبغي ملاحقتها وإزالتها. وفرنسا ستدعم حكومة الوحدة الوطنية، كما أن الموارد النفطية ينبغي أن تكون تحت سيطرة الدولة”.

وبينما لم يذكر “أولاند”، “حفتر” بالاسم عندما دعا “السراج” إلى توسيع حكومته لتضم كل الأطراف، كان وزير الخارجية الفرنسي، “جان مارك أيرولت”، أكثر صراحة عندما قال في تصريحات للصحفيين في نيويورك على هامش مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 19 سبتمبر ، إنه يتعين على حكومة “السراج” أن تبذل المزيد من الجهود لتكون أكثر احتضانا للفصائل الليبية، وأن تضم “حفتر” بصفة ما.

وفي روما، كان الموقف متشابها؛ إذ أعرب وزير الخارجية الإيطالي، “باولو جينتيلوني” عن أمله في أن تستخدم مصر نفوذها لتعزيز الحوار بين شرق ليبيا وحكومة “الوفاق الوطني”، حسب تصريحات أدلى بها لصحيفة “لاريبوبليكا” الإيطالية، في 20 سبتمبر .

ولإيطاليا روابط تاريخية بليبيا التي حكمتها كقوة احتلال في الفترة من 1911 إلى 1943، كما أن لها مصالح قوية في قطاع النفط الليبي.

أيضا، رحب بيان صدر، في 22 سبتمبر ، عقب اجتماع وزاري دولي بشأن ليبيا في نيويورك، بدعوة “السراج” إلى الحوار مع الشرق الليبي للحد من التوتر في منطقة الهلال النفطي.

الاجتماع، الذي انعقد برئاسة وزيري الخارجية الإيطالي، “باولو جينتيلوني”، والأمريكي، “جون كيري”، دعا حكومة “الوفاق الوطني” إلى أن تقوم، خلال العام المقبل، بـ”إعداد انتقال سلمي للسلطة إلى حكومة دائمة ومنتخبة”، في خطوة تبدو وكأن هدفها طمأنة مجلس النواب، ورجله القوي “حفتر”، بأن حكومة “الوفاق الوطني” ليست سوى حكومة انتقالية، ومن ثم تشجيع الطرفين على العمل مع هذه الحكومة.

ومنذ أشهر يقف “حفتر” ورفاقه في الشرق الليبي ضد تصويت برلماني لمنح الثقة لـ”حكومة الوفاق”؛ إذ رفض مجلس النواب تشكيلين وزاريين تقدمت بهما المجلس الرئاسي لـ”حكومة الوفاق”.

الضغوط الغربية الرامية إلى الجمع بين الفرقاء الليبيين يبدو أنها لم تنته بعد؛ إذ أعلن وزير الخارجية الفرنسي، “جان مارك إيرولت”، في 28 سبتمبر/أيلول، أن اجتماعا حول ليبيا سيُعقد في باريس الأسبوع المقبل (لم يحدد موعده بدقه) بمشاركة ممثلين عن دول عدة من المنطقة بينها تركيا، ومصر والإمارات وقطر، لـ”إيجاد طريقة تعطي دفعه للوحدة اللازمة في ليبيا التي تبقى الهدف الأساسي للدبلوماسية الفرنسية”.

التحركات الغربية ترافقت، أيضا، مع مساع عربية لدفع الفرقاء الليبيين؛ نحو حوار ينهي الجمود السياسي في البلاد.

إذ تكثفت، خلال الأيام القليلة الماضية، لقاءت قادة الدبلوماسية العربية مع “السراج”.

ففي 23 سبتمبر ، عقد وزيرا خارجية مصر، “سامح شكري”، والإمارات، “عبدالله بن زايد آل نهيان”، مباحثات منفصلة مع “السراج” على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

ولا شك أن لمثل هذه اللقاءات وزن على الساحة السياسية الليبية بحكم الحضور والنفوذ القوى للقاهرة وأبوظبي في الشرق الليبي.

ولولا هذا الحضور والنفوذ ما كانت روما دعت القاهرة إلى التدخل للتقريب بين طرفي الأزمة في ليبيا.

التحرك العربي بدا واضحا، كذلك، عبر بيان أصدرته “جامعة الدول العربية” عقب مشاركتها في الاجتماع الوزاري الدولي في نيويورك حول ليبيا، في 22 سبتمبر ؛ حيث قالت إنها تدرس حاليًا تنظيم مؤتمر دولي؛ لحشد الدعم وتنسيق المساعدة الدولية للدولة الليبية.

وفي 8 سبتمبر ، قررت الجامعة العربية، خلال اجتماع على مستوى وزراء الخارجية بالقاهرة، تعيين مبعوث خاص جديد إلى ليبيا، دون تحديد وقت لتسميته؛ وهي خطوة قد تعزز الدور العربي في جمع الفرقاء في ليبيا، قريباً، على طاولة حوار.

وكان “ناصر القدوة”، وزير خارجية دولة فلسطين الأسبق، هو آخر من قام بدور مبعوث للجامعة العربية في الشأن الليبي، حيث تم تعيينه من الجامعة في مايو 2014، واعتذر عن الاستمرار في منصبه، في سبتمبر 2015، دون ذكر أسباب.

** هل يستجيب الشرق والغرب لدعوات الحوار؟

الضغوط الغربية والدولية متوصلة إذن على الفرقاء الليبيين للجلوس معا في حوار لتقريب المسافات وتجاوز الخلافات.. لكن هل يستجيب لها الطرفان المعنيان؟

“السراج” قد يبدو منفتحا أكثر على هذا الحوار؛ إذ أعلن، أمس الأربعاء، عبر تصريحات صحفية، عزمه تقديم تشكيلة وزارية جديدة إلى مجلس النواب المنعقد في طبرق، مؤكدا أن الباب مفتوح أمام “حفتر” للانضمام إلى هذه الحكومة.

وكان “السراج” زار “حفتر” في مدينة المرج، شرقي ليبيا، في 31 يناير الماضي بعد نحو شهر من إقرار “اتفاق الصخيرات”  في 17 ديسمبر 2015؛ في مؤشر على أن الرجل يدرك مدى النفوذ الذي يتمتع به الأخير في الشرق، وأن نجاح حكومته يتطلب التوصل إلى صيغة توافقيه معه.

وحاجة “السراج” إلى الحوار مع الشرق أصبحت أكثر إلحاحا بعد سيطرة القوات الموالية لمجلس النواب على منطقة الهلال النفطي (“راس لانوف” و”السدر” و”الزويتينة” و”البريقة”)؛ إذ أن هذه المواني يتم عبرها تصدير نحو 80% من النفط الليبي، وكان أحد أهم أهداف “حكومة الوفاق” هو زيادة صادرتها من النفط من أجل تحقيق استقرار اقتصادي، واستعادة الخدمات الأساسية التي يغيب الكثير منها بسبب العجز المالي؛ ما يثير غضبا في الشارع الليبي.

ويبلغ انتاج النفط في ليبيا حاليا نحو 200 ألف برميل يومياً، وهو أقل من خُمس الصادرات في العام 2012، ويمثل ما نسبته 12.5% من صادرات ليبيا النفطية قبل سقوط نظام “معمر القذافي” في العام 2011، والتي كانت تبلغ، آنذاك، 1.6 مليون برميل يومياً.

“السراج” إذن لا يمانع الحوار مع الشرق ومنفتح على ضم “حفتر” إلى حكومته، لكن الأخير يضع العديد من الشروط الصعبة لهذا الحوار، والتي قد تساهم في وأده قبل أن يبدأ.

فـ”حفتر” يرى أنه الأحق بقيادة الجيش، بينما يؤكد “السراج” أن قيادة الجيش يجب أن تبقى في أيدي السياسيين، حسب اتفاق الصخيرات.

ويخشى “حفتر” من أن يقود اتفاق الصخيرات إلى الإطاحة به؛ إذ تنص المادة الثامنة من هذه الاتفاق على «نقل كل صلاحيات المناصب الأمنية والعسكرية والمدنية إلى مجلس رئاسة وزراء حكومة الوفاق بعد توقيع الاتفاق مباشرة، على أن يتخذ مجلس الوزراء قرارا بشأنها خلال مدة لا تتجاوز عشرين يومًا، وفى حال عدم اتخاذ قرار خلال هذه المدة، يقوم المجلس باتخاذ قرارات تعيينات جديدة خلال مدة ثلاثين يومًا».

“حفتر” أعلن أيضا في أكثر من تصريح صحفي سابق رفضه الانضمام إلى “حكومة الوفاق” ما لم تقم الأخيرة بإبعاد ما أسماه بـ”الميلشيات” من الجيش الموالي لها، في إشارة إلى “الفصائل الإسلامية” التي قاتلت “القذافي”، وساهمت بشكل كبير في إنهاء حكمة، والتي تتمع حاليا بنفوذ قوي.

“السراج” ومجلسه الرئاسي لا يستطيع في المقابل إحداث قطيعة مع هذه الفصائل الإسلامية، وإلا فقد كل أوراق قوته، ومن ثم يكون الطريق ممهدا أمام “حفتر” ورفقائه لفرض نفوذهم على كامل التراب الليبي، وهي خطوة تبدو مخيفة لكثير من الأطراف السياسية في ليبيا، والتي تنظر إلى الأخير على أنه “مشروع ديكتاتور جديد”.

أيضا، لا يصعب على “السراج” إقناع كل الكيانات السياسية في الغرب التي انبثقت عن اتفاق الصخيرات بـ”الرضوح” لمطالب “حفتر”، ويبدو عدم التوافق ذلك في الموقف الذي أبداه “المجلس الاعلى للدولة”، بعد سيطرة قوات “حفتر” على الموانئ النفطية؛ حيث أعلن توليه لــ”المهام التشريعية” معللا خطوته بــ”حساسية المرحلة” وأن “مجلس النواب المنشأ وفق الاتفاق السياسي لم يوجد بعد”.

وأوضح مسؤول في هذه المجلس أن مجلس النواب انتهت ولايته في أكتوبر 2015، وأن شرعيته الجديدة مستمدة من موافقته على الاتفاق السياسي برمته، وتضمينه للاعلان الدستوري وهو ما لم يحدث، على حد قوله.

في المقابل، يستغل “حفتر” سيطرته على الموانئ،  كورقة جديدة للضغط على المجتمع الدولي وحكومة الوفاق لإدخال تعديلات على الاتفاق.

كما يستغلها كورقة لمساومة “حكومة الوفاق” على مطالبه؛ خصوصا أنه يعلم جيدا قيمة النفط في المعادلة الليبية سواء للغرب أو للحكومة في طرابلس على حد سواء.

ولم ينس “حفتر” أن يوجه رسالة طمأنة للغرب؛ فبعد يوم من استكمال سيطرة قواته على الموانئ، أعلنت الأخيرة أنها سلمت إدارة موانئ التصدير في الهلال النفطي إلى “المؤسسة الوطنية للنفط” التابعة لـ”حكومة الوفاق”.

لكن الأمر ليس بهذه البساطة؛ إذ أن سيطرة القوات التي يقودها “حفتر” على الموانئ تعني أنه بإمكان هذه القوات التحكم بمصير عمليات التصدير عبر إقفال الموانىء وإعادة فتحها وفق ما ترتئيه.

وما بين المطالب والضغوط والمراهنات والطمأنات، يبقى الوضع في ليبيا مفتوحا على كل الاحتمالات بشأن إمكانية التقريب بين الشرق والغرب، وجلوس الطرفين معا على مائدة حوار قريبا.

كما تظل إمكانية التوصل إلى حلول للخلافات مرهونة بوجود رغبة لدى الطرفين في تخفيض سقف المطالب للوصول إلى حل وسط.

Short Link

Leave a Reply

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close